ابن عجيبة

178

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال في الحاشية الفاسية : والظاهر في الاستثناء كونه متصلا ، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة ، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم ، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلى ، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما ، ولكن لمّا لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا . وأما ما سرى من القتل فلم يقصده ، وإنما اتفق من غير قصد . ه . قوله : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي : أتبع زلته حسنة محلها ، كالتوبة وشبهها ، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أقبل توبته ، وأغفر حوبته ، وأرحمه ، فأحقق أمنيّة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه « 1 » . وقوله تعالى : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ . . . تقدم قول ابن عباس وغيره : أن المراد بمن في النار : نور الحق تعالى . قال بعض العلماء : كانت النار نوره تعالى ، وإنما ذكره بلفظ النار ؛ لأن موسى حسبه نارا ، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر . ه . ومنه حديث : « حجابه النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شئ أدركه بصره » « 2 » ، أي : حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه ، فالأوانى حجب للمعاني ، والمعاني هي أنوار الملكوت ، الساترة لأسرار الجبروت ، السارية في الأشياء . وقال سعيد بن جبير : ( هي النار بعينها ) « 3 » ، وهي إحدى حجب اللّه تعالى . ثم استدل بالحديث : « حجابه النار » ومعنى كلامه : أن اللّه تعالى احتجت في مظاهر تجلياته ، وهي كثيرة ، ومن جملتها النار ، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها ، وإليه أشار ابن وفا بقوله : هو النور المحيط بكل كون ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات ، العارفون باللّه ، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه ، وإلا وقع الإنكار على أولياء اللّه بالجهل ، والعياذ باللّه .

--> ( 1 ) راجع المجلد الثالث ، ص / 379 - 380 . ( 2 ) بعض حديث رواه أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه وأخرجه مسلم في ( الإيمان ، باب في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينام » ، 1 / 161 ، ح 179 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 410 ) بلفظ « حجابه النار ، وجاء في رواية عند مسلم ، في الموضع السابق ، وأحمد في المسند ( 4 / 405 ) وابن ماجة في ( المقدمة ، باب في ما أنكرت الجهمية 1 / 70 - 71 ح 195 - 196 ) بلفظ « حجابه النور » ( انظر شرح الحديث في مسلم بشرح النووي 3 / 14 - 16 ) ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 145 ) .